الحق في الانفصال الرقمي, قراءة قانونية في مواجهة إرهاق العصر الرقمي

أصبح العصر الرقمي واقعاً يفرض نفسه على حياة الإنسان اليومية، حيث يشهد العالم في شتى مناحي الحياة تطوراً غير مسبوق في التكنولوجيا واستخدام وسائل الاتصال الرقمية، إلا أن هذا التطور، رغم مزاياه، أفرز إشكاليات تتعلق بالإرهاق النفسي والجسدي وانعدام الخصوصية  كنتيجة للانخراط المستمر في العالم الرقمي، وفي هذا السياق، يتنامى الحديث عن “الحق في الانفصال الرقمي” كحق إنساني جديد يهدف إلى إعادة التوازن بين الحياة المهنية والشخصية وحماية الفرد من تبعات الاستهلاك المفرط للتكنولوجيا، ومدة تنظيم هذا الحق في التشريعات الوطنية.

مفهوم الحق في الانفصال الرقمي.

يعرف الحق في الانفصال الرقمي بأنه: قدرة الأفراد على فصل أنفسهم عن العمل الإلكتروني أو الواجبات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بعد ساعات العمل الرسمية، دون خوف من العقوبات أو الشعور بالذنب. ينطلق هذا الحق من فكرة حماية الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية وحق الأفراد في الراحة والاستمتاع بحياتهم الخاصة، بعيداً عن عبء الإشعارات والتنبيهات المستمرة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الحديثة.

الإطار القانوني للحق في الانفصال الرقمي.

يعد الحق في الانفصال الرقمي امتداداً لمفاهيم حقوق الإنسان الأساسية التي تنص عليها الدساتير وإن لم يذكر صراحة، مثل الحق في الراحة والحق في الصحة النفسية والجسدية، وقد بدأت بعض الدول، مثل فرنسا، في وضع أطر تشريعية لحماية هذا الحق. ففي عام 2017، أقر القانون الفرنسي المبدأ الآتي: “حق الموظفين في عدم الرد على الاتصالات الإلكترونية المتعلقة بالعمل خارج ساعات العمل”، هذه الخطوة تعكس وعياً متزايداً بأهمية مواجهة إرهاق العمل الرقمي وتأثيراته السلبية على جودة الحياة.

في السياق العربي، لا يزال الحديث عن هذا الحق محدوداً، رغم أن الأفراد في المنطقة يعانون من الضغوط نفسها التي يفرضها العصر الرقمي، وهنا يظهر دور المشرّعين في توفير ضمانات قانونية تتيح للأفراد ممارسة حقهم في الانفصال الرقمي، بما يتناسب مع خصوصية مجتمعاتهم.

كما أن هذا الموضوع ينبغي تناوله من عدة جوانب، من الجانب الأول حق الموظفين في الانفصال الرقمي عن مدراءهم ومسؤوليهم خارج ساعات الدوام، وكذلك حقهم بالانفصال الرقمي عن المراجعين والعملاء، سواء أكانوا موظفين قطاع عام أو خاص، وبسبب عدم وجود أي تنظيم عربي لهذا الحق فإننا نقترح أن تتناوله القوانين أو اللوائح التنفيذية للمؤسسات والدوائر الحكومية والشركات الخاصة، إلى أن يصبح مبدأ دستوريًا يتم النص عليه ضمن الحقوق الأساسية للمواطنين.

الأبعاد الإنسانية للحق في الانفصال الرقمي.

يمثل الحق في الانفصال الرقمي أكثر من مجرد مطلب قانوني؛ فهو يعكس هدف إنساني يهدف إلى تخفيف وطأة الإرهاق الرقمي وتعزيز الاستقلالية والحرية الشخصية، فعندما يُتاح للفرد تخصيص وقت بعيد عن الشاشات، تتحسن جودة علاقاته الاجتماعية، وتزداد طاقته الإنتاجية، وتنخفض التأثيرات السلبية التي مصدرها الإرهاق الرقمي، وتتراجع معدلات القلق والاكتئاب المرتبطة بالإفراط في استخدام التكنولوجيا.

الخلاصة.

إن الحق في الانفصال الرقمي ليس دربًا من دروب الرفاهية، بل ضرورة إنسانية تتطلب إدراكاً مجتمعياً وتشريعياً لمواجهة تحديات العصر الرقمي قبل أن تشكل أزمة اجتماعية وقانونية، فكما وفرت التكنولوجيا أدوات اتصال فعالة، يجب أن توفر الأطر القانونية تنظيم العلاقات بين الناس في ظل هذه الأدوات الحديثة، مما يؤدي إلى الحماية من الاستخدام المفرط الذي يعطل التوازن بين العمل والحياة، حيث إن دمج هذا الحق ضمن التشريعات الوطنية يمثل خطوة نحو أنسنة العصر الرقمي، وضمان حياة أكثر توازناً للأفراد في مواجهة إرهاق لا ينتهي.

مراجع الدراسة:

  1. قانون العمل الجديد الفرنسي رقم 2016-1088 .
  2. تقرير منظمة العمل الدولية بشأن العمل الرقمي والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية (2021).
  3. دراسة “الإرهاق الرقمي وتأثيره على الصحة النفسية”، مجلة الصحة النفسية الرقمية، 2023.
  4. الموقع الرسمي لمفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة (حق الأفراد في الراحة).

كتب بواسطة : محمد عادل بسيسو

محامي ومستشار قانوني الإشراف على العمل القانوني للمكتب القانوني أو الشركة، بما في ذلك توجيه المحامين الآخرين، وتحليل القضايا القانونية المعقدة، وتقديم الاستشارات القانونية الاستراتيجية للعملاء، وتمثيل العملاء في المحاكم عند الضرورة، وإدارة الشؤون القانونية والمخاطر القانونية للشركة وقدرة على التواصل بفعالية مع العملاء والزملاء، بالإضافة إلى خبرة واسعة في القانون والقضايا القانونية ذات الصلة بمجال العمل

مواضيع ذات العلاقة