دراسة قانونية وشرعية حول التوارث بين الشهداء

تمثل مسألة استشهاد أو وفاة مجموعة من الأقارب في وقت واحد، كما في الحروب أو الكوارث، إحدى الإشكاليات المعقدة في فقه المواريث والقانون المدني، وتتمثل المشكلة في عدم القدرة على تحديد أسبقية الوفاة بينهم، وهو ما يترتب عليه تعذر تطبيق قاعدة الإرث التقليدية التي تستلزم اليقين بوجود الوارث حيًّا بعد المورث.

  • الإطار الشرعي للموضوع.

تعتمد القاعدة الفقهية في توزيع الإرث على ثلاث شروط أساسية:

  1. ثبوت وفاة المورث أو الحاقه بالموتى حكمًا.
  2. ثبوت حياة الوارث بعد موت المورث.
  3. انتفاء موانع الإرث: مثل القتل الوارث لمورثه أو اختلاف الدين.

ففي حالة وفاة مجموعة من الأقارب دفعة واحدة، كعائلة استشهدت خلال الحرب، وتعذر اليقين بشأن ترتيب وفاتهم، فإن جمهور الفقهاء يستندون إلى القاعدة الشرعية الآتية: ( إذا مات قوم دفعة واحدة، ولم يُعلم من مات أولاً، فلا يرث بعضهم بعضًا )، وتُعامل التركة كأن كل فرد قد توفي دون وجود ورثة مباشرين من ضمن المجموعة التي توفيت معه.

وعلى هذا الرأي اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة وفقًا للآتي:

  1. الحنفية والمالكية والشافعية: يقررون أن عدم العلم بترتيب الوفاة يسقط التوارث بين المتوفين، ويتم توزيع التركة على الورثة الآخرين الذين لا يشملهم اللبس، إن وُجدوا.
  2. الحنابلة: يوافقون على نفس الحكم، مؤكدين أن التوارث يشترط اليقين بوجود الحياة بعد المورث، وهو ما ينتفي هنا.
  • الإطار القانوني للموضوع.

في القوانين الوضعية، مثل قانون الأحوال الشخصية في الدول العربية والإسلامية، فغالبًا ما يتم معالجة هذه الحالات استنادًا إلى الفقه الإسلامي، ومن أبرز القوانين التي تناولت هذه المسألة:

  1. القانون الفلسطيني وهو قانون الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبو حنيفة المعمول به في قطاع غزة، فإنه لم ينص صراحة على هذا الحكم بحق الموتى في الحروب إنما نص على حالات أخرى لكن الحكم واحد في جميع الصور ، إذ طبقًا للمادة رقم (635) تنص على: (لا توارث بين الغرقى والهدمى والحرقى اذا كان ممن يرث بعضهم بعضا لأنه لا يعلم أيهما مات أولا ويقسم مال كل منهم على ورثته الأحياء).
  2. القانون المصري للأحوال الشخصية، المادة (4)تنص على أنه: ( إذا مات اثنان أو أكثر في حادث واحد ولم يُعرف المتقدم أو المتأخر، فلا يرث أحدهما الآخر، وتُقسم التركة كأن كلًّا منهم قد مات دون الآخر).
  3. القانون السوري للأحوال الشخصية، المادة (303) تنص على ذات الأمر مشيرة إلى أن الميراث يعتمد على إثبات الحياة بعد الوفاة، وعند الشك يُلغى التوارث.
  4. القانون الأردني للأحوال الشخصية عالج القضية بنفس النهج، معتبرًا أن الشك في ترتيب الوفاة يؤدي إلى سقوط حق التوارث بين المتوفين.
  5. مثال عملي:
  6. العائلة المتوفاة: الأب، الأم، وابنان ، لا يمكن تحديد من مات أولًا ، يوجد جد وجدة (أحياء).

      توزيع التركة:

  1. لا يرث أي فرد من المجموعة (الأب، الأم، الابنان) الآخر؛ تُعتبر كل تركة مستقلة.
  2. يتم تقسيم تركة الأب على الجد والجدة (إن كانا الورثة الشرعيين الباقين).
  3. تركة الأم تُقسم أيضًا على الجد والجدة.
  4. لا توزع أي تركة ضمن المجموعة نفسها.
  • الحل الشرعي والإنساني المقترح.

في ظل الكوارث الإنسانية، مثل الحرب على غزة وما خلفته من أعداد كبيرة من الشهداء والأيتام والأرامل، يُمكن أن تُثار بعض الإشكاليات، خاصة إذا كانت التركة مخصصة لرعاية القُصّر أو الأيتام الناجين، لذا يوصى بما يلي:

  1. التثبت قدر الإمكان من الوقائع: باستخدام الشهود أو السجلات الطبية لتحديد ترتيب الوفاة إن أمكن.
  2. إعمال قاعدة “الصندوق العام”: وهي قاعدة تعتمدها بعض الأنظمة القانونية، حيث تُجمع التركة في صندوق واحد وتُقسم على جميع الورثة المؤكدين خارج المجموعة المتوفاة دفعة واحدة.
  3. تخصيص جزء من التركة لأغراض إنسانية: إن لم يكن هناك ورثة واضحون، يمكن أن تُصرف التركة للصالح العام أو في أوجه الخير، وفقًا لما تقرره المحاكم الشرعية.
  • الخلاصة.

في حالة استشهاد عائلة في وقت واحد، يُطبّق المبدأ الفقهي والقانوني القائل بعدم التوارث بين المتوفين مع الشك في ترتيب وفاتهم. وتُوزع التركة على الورثة الآخرين المستحقين خارج نطاق المجموعة المتوفاة.

المراجع الشرعية والقانونية:

  1. ابن قدامة، المغني، ج 6.
  2. أبو زهرة، الأحوال الشخصية.
  3. قانون الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبو حنيفة المعمول به في قطاع غزة.
  4. قانون الأحوال الشخصية المصري (القانون رقم 77 لسنة 1943).
  5. القانون السوري للأحوال الشخصية (المادة 303).
  6. دار الإفتاء الأردني- رقم الفتوى: 275 -التاريخ : 28-05-2009.

كتب بواسطة : محمد عادل بسيسو

محامي ومستشار قانوني الإشراف على العمل القانوني للمكتب القانوني أو الشركة، بما في ذلك توجيه المحامين الآخرين، وتحليل القضايا القانونية المعقدة، وتقديم الاستشارات القانونية الاستراتيجية للعملاء، وتمثيل العملاء في المحاكم عند الضرورة، وإدارة الشؤون القانونية والمخاطر القانونية للشركة وقدرة على التواصل بفعالية مع العملاء والزملاء، بالإضافة إلى خبرة واسعة في القانون والقضايا القانونية ذات الصلة بمجال العمل

مواضيع ذات العلاقة